الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كما أن علماء اليهود ووجهائهم ومفكريهم المؤمنين الأتقياء ، كانوا يحكمون وفق هذا الكتاب السماوي الذي وصل أمانة بأيديهم وكانوا شهودا عليه ، حيث تقول الآية : والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء . ( 1 ) ثم توجه الآية الخطاب إلى أولئك العلماء والمفكرين من اليهود الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر ، فتطلب منهم أن لا يخافوا الناس لدى بيان أحكام الله ، بل عليهم أن يخافوا الله ، فلا تسول لهم أنفسهم مخالفة أوامره أو كتمان الحق ، وإن فعلوا ذلك فسيلقون الجزاء والعقاب ، فتقول الآية هنا : فلا تخشوا الناس واخشون . ثم تحذر الآية من الاستهانة والاستخفاف بآيات الله ، فتقول : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . . . وحقيقة كتمان الحق وأحكام الله نابعة إما عن الخوف من الناس ، وإما بدافع المصلحة الشخصية ، وأيا كان السبب فهو دليل على ضعف الإيمان وانحطاط الشخصية ، وقد أشير في الجمل القرآنية أعلاه إلى هذين السببين . وتصدر الآية حكما صارما وحازما على مثل هؤلاء الأفراد الذين يحكمون خلافا لما أنزل الله فتقول : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وواضح أن عدم الحكم بما أنزل الله يشمل السكوت والابتعاد عن حكم الله الذي يؤدي بالناس إلى الضلال ، كما يشمل التحدث بخلاف حكم الله . وواضح - أيضا - أن للكفر مراتب ودرجات مختلفة ، تبدأ من إنكار أساس وجود الله ويشمل عصيان أوامره ، لأن الإيمان الكامل يدعو ويحث الإنسان على
--> 1 - لقد تطرقنا إلى معنى كلمة ( رباني ) ومصدرها لدى تفسير الآية ( 80 ) من سورة آل عمران ، أما كلمة ( أحبار ) فهي صيغة جمع من ( حبر ) على وزن ( فكر ) فهي تعني كل أثر خير ، أطلقت على المفكرين الذين يخلفون أثارا خيرة في مجتمعهم ، ويطلق أيضا على حبر الدواة الذي يستعمل للكتابة لما فيه من أثر خير .